❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
تشهد المنطقة في الأيام الأخيرة حالة من التناقض الصارخ في التصريحات بين واشنطن وتل أبيب حول الملف الإيراني، تناقضٌ يضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل أي تفاهم محتمل، وحدود العلاقة الاستراتيجية بين الحليفين.
أولاً: ماذا تريد واشنطن؟
الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبشكل مفاجئ، ألغى ضربة عسكرية كانت مقررة ضد إيران، وأعلن عن موافقة مبدئية على اتفاق. وبحسب التسريبات، فإن بنود التفاهم تشمل وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية على كل الجبهات بما فيها لبنان، وفتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري، وخفض الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، والإفراج التدريجي عن أصول إيرانية مجمدة، مقابل تأكيد إيران التزامها بمعاهدة حظر الانتشار النووي.
بل إن ترامب قلل علناً من خطورة ملف اليورانيوم المخصب، قائلاً: "لا داعي للعجلة"، وهو ما يمثل تراجعاً تكتيكياً يهدف إلى انتزاع تهدئة سريعة يقدمها كإنجاز سياسي كبير قبل الاستحقاقات الداخلية.
ثانياً: لماذا تصاب إسرائيل بالصدمة؟
على الضفة الأخرى، سادت حالة من الارتباك في تل أبيب. فالمجلس الوزاري المصغر "الكابينت" كان منعقداً لمناقشة سيناريوهات تصعيد ضد إيران، قبل أن يفاجئهم ترامب بإعلان إنهاء الحرب.
مكتب نتنياهو سارع للتأكيد أن إسرائيل ليست طرفاً في المذكرة وغير ملزمة بها، وحدد أربعة مطالب كخطوط حمراء: إزالة كامل مخزون اليورانيوم فوراً، وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، وتقييد الصواريخ الباليستية، ووقف دعم طهران لحلفائها.
وهنا يكمن جوهر القلق. فهناك إجماع نادر في إسرائيل على وصف الاتفاق بأنه "فشل استراتيجي" يوقف القتال لكنه يترك عناصر القوة الإيرانية قائمة. والأخطر أنها وجدت نفسها مهمشة، حيث رفضت واشنطن إطلاعها على كامل التفاصيل.
ثالثاً: تنسيق أدوار أم تضارب مصالح؟
قد يبدو الأمر توزيع أدوار، لكنه في الحقيقة تضارب مصالح حقيقي. واشنطن تفكر بمنطق القوة العظمى، وتل أبيب بمنطق البقاء. ترامب يريد وقف الحرب، ونتنياهو يريد استمرارها. بل إن ترامب انتقد علناً قصف إسرائيل للضاحية الجنوبية لبيروت قائلاً إنه "ما كان يجب أن يحدث ونحن قريبون من اتفاق سلام".
رابعاً: هل تتجرأ إسرائيل على العمل منفردة، أم حان وقت تأديب نتنياهو؟
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يمكن أن تقدم إسرائيل على ضربة منفردة لإيران حتى لو بدون غطاء أميركي، طمعاً بأن تتدخل واشنطن لاحقاً لحمايتها؟
تاريخياً، تجرأت إسرائيل على ذلك في العراق عام 1981 وسوريا عام 2007. لكن إيران ليست كسابقتها. منشآت مثل فردو محصنة تحت 80 متراً من الجبال، ولا يمكن تدميرها إلا بقاذفات استراتيجية من نوع B-2 وقنابل GBU-57، وهي قدرات لا تملكها إلا أميركا. كما أن إسرائيل لا تملك القدرة على خوض حرب استنزاف طويلة مع إيران وحلفائها من هرمز إلى باب المندب ولبنان، دون جسر جوي أميركي من الذخيرة والوقود.
لذلك، فإن التلويح بالعمل المنفرد هو في معظمه تهديد تكتيكي. تريد تل أبيب أن تضع واشنطن أمام الأمر الواقع: إذا ذهبتم لاتفاق سيء، سنحرجكم بضربة، وسيجبركم الرد الإيراني على التدخل.
وفي المقابل، هناك مؤشرات واضحة على أن ترامب سئم من نتنياهو. فالرجل الذي يريد أن يقدم نفسه كصانع سلام، يرى في نتنياهو رجل حروب يطيل أمد الصراع ليبقى في السلطة. إيقاف شحنات السلاح، وانتقاد قصف الضاحية، وعدم إطلاع إسرائيل على نص الاتفاق، كلها رسائل تأديب سياسي واضحة.
لكن نتنياهو ليس خصماً سهلاً. هو سياسي نجا من حروب ولوائح اتهام وانتخابات متتالية، وقد يقامر بعملية محدودة - اغتيال، هجوم سيبراني، قصف منشأة ثانوية - ليس لتدمير البرنامج النووي، بل لتخريب الاتفاق وإفشاله.
الخلاصة
نحن أمام لعبة عض أصابع خطيرة. ترامب يريد أن ينهي الحرب ليقطف ثمارها السياسية، ونتنياهو يريد أن يستمر في الحرب ليحافظ على بقائه. وبين اتفاق هش تريده واشنطن وضربة منفردة تلوح بها تل أبيب، يبقى مصير المنطقة معلقاً على قرار سيتخذ في غرف مغلقة في واشنطن وطهران وتل أبيب خلال الأيام القليلة القادمة.